وهبة الزحيلي

146

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وإغراق العدو ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الأمور العظام . ثم أمرهم موسى بدخول فلسطين ومجاهدة الأعداء فقال لهم : يا قوم الأرض المقدسة ( الطاهرة ) : أرض بيت المقدس ، أو فلسطين ، للسكنى لا للملك ؛ لأن بيت المقدس مقر الأنبياء ومسكن المؤمنين الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي قسمها لكم وسماها ، فقد وعد اللّه إبراهيم بحق السكنى في تلك البلاد المقدسة ، لا أنها ملك لهم ؛ لأن هذا مخالف للواقع ، فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنه لا بد أن يعود لهم ذلك الملك ليس بصحيح ؛ لأن اللّه قال بعدئذ : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ قال ابن عباس : كانت هبة ، ثم حرمها عليهم بشؤمهم وعصيانهم . ولأن قوله : كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط . وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أي لا تتراجعوا وتدبروا من خوف الجبابرة ، ولا تنكلوا عن الجهاد ، فتصبحوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة . وقيل : المراد لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى عليه السلام ، وإلى الوثنية والفساد في الأرض . قال النقباء الذين أرسلهم موسى عليه السلام للتجسس في الأرض المقدسة : إن فيها قوما جبارين أي طوالا عتاة يجبرون الناس على ما أرادوا . وكانوا من الكنعانيين ، وإنا لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها ، فإن خرجوا منها فإنا داخلون فيها . وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [ الأعراف 7 / 40 ] .